الشيخ محمد هادي معرفة
73
تلخيص التمهيد
1 - إنَّ بدء نزوله كان في ليلة القدر من شهر رمضان . وهذا اختيار محمَّد بن إسحاق « 1 » والشعبي « 2 » . قال الإمام الرازي : وذلك لأنَّ مبادئ الملل والدول هي الَّتي تؤرَّخ بها ، لكونها أشرف الأوقات . ولأنَّها أيضاً أوقات مضبوطة معلومة « 3 » . وهكذا فسَّر الزمخشري الآية بذلك ، قال : ابتدئ فيه إنزاله « 4 » . وهو الذي نرتأيه ، نظراً لأنَّ كل حادث خطير ، إذا كانت له مدَّة وامتداد زمنيّ فإنَّ بدء شروعه هو الَّذي يسجَّل تاريخياً ، كما إذا سئل عن تاريخ دولة أو مؤسَّسة أو تشكيل حزبي ، أو إذا سئل عن تاريخ دراسة طالب علم أو تلبّسه الخاص وأمثال ذلك ، فإنَّ الجواب هو تعيين مبدأ الشروع أو التأسيس لاغير . وأيضاً : فإنَّ قوله تعالى : « أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » والآيات الاخر ، حكاية عن أمر سابق لا يشمل نفس هذا الكلام الحاكي ، وإلّا لكان اللفظ بصيغة المضارع أو الوصف . فنفس هذا الكلام دليل على أنَّ من القرآن ما نزل متأخّراً عن ليلة القدر ، اللّهمّ إلّابضرب من التأويل غير المستند ، على ما سيأتي . كما أنّ اختلاف مناسبات الآيات - حسب الظروف والدواعي - أكبر دليل على اختلاف مواقع نزولها ، إذ يربط ذلك كلّ آية بحادثة في قيد وقتها ، وهذا في كلّ آية نزلت بشأن حدث أو واقعة وقعت في وقتها الخاصّ ، وجاءت آية تعالجها في نفس الوقت . كلّ ذلك دليل على أنَّ القرآن لم ينزل جملة واحدة ، وإلّا لما كان موقع لقولة المشركين : « لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً » قال تعالى - ردّاً على هذا الاعتراض - : « كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا » « 5 » أي كان نزول القرآن تباعاً وفي فترات مناسبة أدعم لاطمئنان قلبك ، حيث الشعور بعناية اللَّه المتواصلة في كلِّ آونة ومناسبة « 6 » . وذهب إلى هذا الرأي - أيضاً - ابن شهرآشوب في المناقب ، قال : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 2 ص 276 . ( 2 ) الإتقان : ج 1 ص 40 . ( 3 ) التفسير الكبير : ج 5 ص 85 . ( 4 ) الكشّاف : ج 1 ص 227 . ( 5 ) الفرقان : 32 . ( 6 ) راجع الإتقان : ج 1 ص 41 .